أطفالنا في الغربة واللغة العربية

يفهم كل شيء، ويردّ بلغة البلد. هذا ما يحدث في معظم البيوت العربية خارج المنطقة، وهو ليس دليلاً على تقصير منكم. هذا ما وراءه، وما ينفع فيه.

الخوف كما يقوله الأهل

«اللغة تتبخّر.» هكذا يصفها الأهل، وهي عبارة دقيقة أكثر مما تبدو. لا يحدث شيء في يوم واحد. تقلّ الكلمات قليلاً كل شهر، ويصير الردّ بلغة البلد أسهل، ثم يأتي اليوم الذي تتكلم فيه الجدّة على الفيديو فيبتسم الطفل ولا يعرف ماذا يقول.

والخوف في محلّه. اللغة في بيوت المهاجرين تُفقد عادة في ثلاثة أجيال: الأول يتكلمها، والثاني يفهمها، والثالث يعرف كلمات معدودة. والانقطاع يقع بين الثاني والثالث، ويُحسم في سنّ أطفالكم الآن.

ما يُفقد ليس مفردات. هو الطريقة التي يُواسى بها في هذه العائلة، والمزحة التي لا تُقال إلا بالعربية، والقدرة على الكلام مع من يحبّهم الطفل. اللغة الأم ليست مادة دراسية.

اللغة تُكتسب بالسماع

الطفل لا يتعلّم لغته الأولى بالقواعد. يتعلّمها لأنه سمعها آلاف المرات مرتبطة بأشخاص وأشياء وأوقات. هذا يصحّ على العربية كما يصحّ على غيرها.

والنتيجة العملية أن الكمّ مهمّ. الطفل الذي يسمع العربية ساعة كل يوم يبني شيئاً؛ والذي يسمعها ساعة في الأسبوع لا يبني. ليس لأن الأسبوعية أقلّ جودة، بل لأن السماع المتقطّع لا يكفي لتثبيت شيء.

ولهذا فإن أهم ما يمكن فعله بسيط إلى حدّ الإحباط: زيادة ما يسمعه الطفل بالعربية. لا طريقة، ولا منهج، ولا برنامج. سماع أكثر، من أشخاص أكثر.

ويصحّ هذا على الكلام الموجّه إليه وعلى الكلام الذي يدور حوله. الطفل يلتقط من حديثكم مع إخوتكم وأهلكم أكثر مما يلتقط من الكلام المبسّط الذي تخاطبونه به، لأن ذلك الحديث أغنى. فلا تخفضوا صوت العربية في البيت لأن الصغير موجود.

الفهم قبل الكلام

أهمّ ما في هذه الصفحة، لأنه يريح الأهل أكثر من غيره: الطفل الذي يفهم ويردّ بلغة البلد لم يفقد العربية.

المسافة بين الفهم والكلام كبيرة وطبيعية. الطفل قد يفهم مئات الكلمات ويستعمل عشراً. المخزون موجود ويزيد، لكنه لا يخرج. وهذه المسافة قد تبقى سنوات ثم تُغلق في أسابيع: زيارة إلى البلد، أو صيف عند الأهل، أو ابن عمّ لا تنفع معه لغة البلد.

والنتيجة العملية: لا تتوقّفوا عن الكلام بالعربية لأن الردّ يأتي بلغة أخرى. الذي يملأ المخزون هو ما تقولونه أنتم، لا ما يقوله هو. واشتراط الردّ بالعربية يجعل الطفل يقول أقلّ، لا أكثر.

مكالمة الفيديو مع الجدّة

إن لم يبقَ من هذه الصفحة إلا سطر واحد، فليكن هذا: مكالمة منتظمة مع شخص لا يعرف لغة البلد هي أنفع أداة عند العائلة.

تنفع لأنها حقيقية. الطفل لا يتمرّن، بل يريد أن يفهمه إنسان يهمّه ولا يعرض عليه لغة أخرى. هذا هو الدافع الذي يعمل، لأنه من الموقف نفسه لا منكم.

وخمسون كلمة تكفي لها. الطفل الذي يستطيع أن يسمّي ما يأكل وما يلبس وما في يده يستطيع أن يجري هذه المكالمة. خمسون كلمة هدف قريب، وكتاب الصور مصنوع لهذا بالضبط.

ومن الجهة الأخرى، الجدّة التي لا تستطيع الكلام مع أحفادها تعدّ هذا فقداً، وإن لم تقله مرة واحدة. المكالمة ليست تمريناً للطفل وحده.

وإذا كانت الجدّة بعيدة، فالموعد الثابت أنفع من المكالمة العابرة. صباح كل جمعة، عشر دقائق. الطفل الذي يعرف أن المكالمة قادمة يجمع قبلها شيئاً ليُريه، وهذا الجمع نفسه هو التمرين.

اللهجة أولاً، والفصحى بعدها

بعض الأهل يبدأون بالفصحى لأنها لغة المدرسة والقرآن. ولطفل دون السادسة هذا ترتيب معكوس.

الفصحى لا يتكلمها أحد في البيت، لا في القاهرة ولا في بيروت ولا في الدار البيضاء. هي في كل مكان لغة تُتعلَّم. والطفل الذي يتعلّم كلمات لن يسمعها من أحد حوله ينساها، لأن اللغة التي لا يردّ عليها أحد تذبل.

أمّا لهجة البيت فلها من يردّ: الأم، والأب، والجدّة على الفيديو، والجيران في الصيف. وهذا السبب هو الوحيد الذي يحمل الطفل عشر سنوات.

والفصحى تأتي بعدها مع القراءة، وتأتي أسهل. الطفل الذي في أذنه مئات الكلمات العربية يتعرّف عليها مكتوبة بدل أن يتعلّمها من الصفر. والأصوات الصعبة — العين والحاء والقاف — تكون قد ثبتت عنده قبل السادسة.

ثلاثة أشياء تنفع

وقت ثابت كل يوم. لا طوال اليوم، بل موعد لا يتغيّر: العشاء، أو الطريق إلى البيت، أو ما قبل النوم. نصف ساعة كل يوم أنفع من يوم كامل في الشهر، لأن المتكرّر يصير جزءاً من النظام ولا يحتاج قراراً في كل مرة.

أشخاص يتكلمون العربية فقط. المكالمات، والزيارات، والأقارب الذين لا يعرفون لغة البلد. وجود من لا تنفع معه لغة أخرى يفعل ما لا يفعله أي برنامج.

أصوات متعدّدة. أنتم صوت، وربما صوتان. الطفل يحتاج نماذج أكثر ليضبط الأصوات: الأغاني، والفيديو، وتطبيق يقول الكلمة فيه إنسان من أهل اللهجة نفسها.

وما لا ينفع يستحقّ الذكر أيضاً. تصحيح نطق طفل في الثالثة أمام الناس يُسكته. وجعله يترجم ليُظهر ما يعرفه يحوّل اللغة إلى امتحان. واشتراط أن يردّ بالعربية قبل أن يُعطى ما يريد يربط اللغة بالضيق، وهذا ما يتركه أول ما يستطيع.

الإخوة، ولماذا يأخذ الثاني أقلّ

في أكثر البيوت يتكلم الابن الأكبر العربية أفضل من الذي بعده، والثالث أضعفهم. والسبب ليس تقصير الأهل، بل الابن الأكبر نفسه: هو يُدخل لغة البلد إلى البيت من المدرسة، ومن يومها يسمع الصغار لغتهم النموذج من طفل آخر.

وبين الإخوة تغلب لغة البلد دائماً تقريباً، لأنها لغة حياتهم المشتركة خارج البيت. مقاومة هذا صعبة، ولا يستحقّ أن يتحوّل إلى خصام يومي.

الذي ينفع هو تثبيت لغة الكبار. إذا بقيت العربية لغة الأب والأم بينهما ومعهم، سمعها الصغار كل يوم — منكم بدل أن يسمعوها من بعضهم. وزيارة قريب لا يعرف لغة البلد تقلب الميزان أسابيع.

أين يساعد التطبيق وأين لا

PopPond يفعل شيئاً واحداً: يعطي الطفل الكلمات المنطوقة بلهجة البيت، بصوت إنسان يتكلم هذه اللهجة فعلاً. كتب مصوّرة حسب الموضوع، وسبع لهجات والفصحى معها، بدون نت وبدون إعلانات وبدون تسجيل.

وما لا يفعله: لا يعلّم الطفل الكلام بدلاً عنكم. التطبيق ليس محادثة، ولا شيء هنا يقول غير ذلك. هو الصوت الثالث باللهجة نفسها، وهو ما لا يجده الطفل في الغربة عادة، وهو سبب لتسمية الأشياء معاً. والباقي يحدث على مائدتكم.

وليس فيه ما يشدّ الطفل إلى الشاشة. لا مكافآت متكرّرة، ولا تشغيل تلقائي، ولا شيء يُفتح غداً. الكتاب يأخذ دقائق ثم ينتهي، وهذا مقصود: الهدف كلمات تُقال بعد ذلك في المطبخ، لا وقت أطول أمام الجهاز.

اقرأوا أيضاً

سبع لهجات. تطبيق واحد.

كل كلمة مصوّرة ومسجّلة بصوت ناطق أصلي، في اللهجات السبع.

تنزيل من App Storeاحصل عليه من Google Play

اللهجات